الرئيسية / موضوع الغلاف / الاجتهاد في تصور مقاصد الشريعة

الاجتهاد في تصور مقاصد الشريعة

هذا البحث هو محاولة لتحليل أثر رؤية العالم في ذهن المجتهدين المقاصديين على استقرائهم للمقاصد ونحتهم لمصطلحاتها، وذلك بهدف فهم آليات التجديد والإبداع في هذا العلم والاستفادة منها في البحث الجديد وفي الواقع المعاصر. ويقترح البحث أن العالم المجتهد حين يستقرأ نصوص الشريعة مكتشفًا لمقصد معين قصده الشارع تعالى، فهو إنما يعبر بهذا المقصد عن تفاعل في تصورات ذهنه بين نصوص الشريعة ورؤيته هو للعالم الذي يعاصره، حسب المتعارف عليه من مفاهيم تعبر عن مصالح الناس. ويقترح البحث أيضًا أن تطور مصطلحات المقاصد في تصورات العلماء لا يتنافى مع كون المقصد المستقرأ مقصودًا للشارع.
ثم يقترح البحث أيضًا أن تطور مصطلحات المقاصد في تصورات العلماء لا يتنافى مع كون المقصد المستقرأ مقصودًا للشارع، لأنه تعالى قصد إلى مصلحة الخلق حسب واقعهم، ويخلص إلى أن نسق المقاصد هو أقرب ما يكون من المنظومة الشبكية المتعددة الأنساق والأبعاد، وأن المقاصد –وإن عرفت من طريق الاستقراء– عالية القطع ثابتة الحجية. ويردّ البحث على أصحاب المدارس «التاريخية» الذين اتهموا مدرسة التجديد الإسلامي المعاصرة بالعلمانية المستترة تحت شعار المقاصد الشرعية.
ويبدأ البحث بمبحث عن تعريف رؤية العالم وأثرها في التصورات الذهنية. ثم يحلل بإيجاز تطور بعض المصطلحات المقاصدية، في خمسة مباحث: من حفظ النسل إلى بناء الأسرة، ومن حفظ المال إلى التنمية الاقتصادية، ومن حفظ النفس والعرض إلى حفظ حقوق الإنسان، ومن حفظ العقل إلى نماء الملكات العقلية والفكرية، ومن حفظ الدين إلى كفالة الحريات الدينية، ثم يجيب بالبحث بالنفي عن التساؤلين التاليين، هل للمقاصد المتصورة حد معلوم أو هيكل نمطي محدود؟ وهل تجديد المقاصد يعني «علمنة الإسلام؟» وأخيرًا، يناقش البحث قضية ظنية المقاصد التي هي نتيجة لظنية الاستقراء.
رؤية العالم أو «ثقافة التصورات الذهنية»
رؤية العالم مفهوم حديث نشأ في الفلسفة الألمانية منذ قرن من الزمان، ثم امتد تأثيره ودراسته في كثير من العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة. ورؤية العالم منظومة ذهنية وإحساس بالواقع يشكلان نظرة الإنسان لما حوله في الحياة وأسلوب تفاعله معه. أما على مستوى المجتمعات، فيكون كل مجتمع رؤية جماعية للعالم خاصة به تحدد أيضًا تفاعله مع هذا العالم، وتعرف بثقافة التصورات الذهنية لهذا المجتمع.
ورؤية الفرد أو المجتمع للعالم هي نتاج بضعة عوامل حددها علماء التصورات العقلية بالحدود السياسية والحياة البيئية والطبيعية والموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية والمنظومة الاجتماعية واللغة السائدة. هذه العوامل تكون في ذهن الفرد أو المجتمع دليلاً عميقًا ومرجعًا منطقيًا للخبرات التي يُعَّرف على أساسها ويقاس عليها ما يجد من مفاهيم وأحداث. وكلما تغير عامل أو أكثر من هذه العوامل المذكورة كلما تغيرت رؤية العالم والتصنيفات الذهنية التابعة لها في ذهن الفرد أو ثقافة المجتمع.
فما يُطرح على الذهن من معطيات أيًا كانت يمكن أن تصنف بما لا يحصى من معايير التصنيفات الذهنية، وإنما تحدد رؤية العالم أسلوب التصنيف عن طريق المفاهيم التي يدور حولها التصنيف ويتغير كلما تغيرت. والتصنيف واحد من أكثر الأعمال الإدراكيّة الأساسيّة أهمّيّة، إذ يقوم البشر من خلاله بفهم المعلومات التي يتلقّونها، ويصوغون التعميمات والتنبّؤات، ويطلقون الأسماء والمسميات على مختلف عناصر وأفكار الشيء قيد البحث ويقوّمونه بناء على ذلك.
وهناك في علم الإدراك تفسيران نظريّان لعملية التقسيم أو التصنيف، هما في نظري يعكسان طريقتين بديلتين لتقسيم الأشياء فعلاً إلى فئات متمايزة. وهذان التفسيران البديلان هما: التقسيم المبنيّ على «تشابه السمات»، والتقسيم المبنيّ على «المفاهيم العقليّة».
أما تقسيم الأشياء إلى فئات بناء على تشابه السّمات، فيسعى إلى الكشف عن نواحي التشابه والاختلاف التي يحسبها المصنّف «طبيعيّة» بين الأشياء التي يجري توزيعها إلى فئات، ويقاس التشابه أو الاختلاف بين شيئين بحسب تطابقهما أو اختلافهما بحسب «سمة» أو صفة طبيعية ما جرى تحديدها من قبل. ويحكم على الشيء بأنّه يتبع فئة معيّنة عبر مطابقة سماته مع سمات «نموذج مثاليّ» يمثل هذه الفئة تمثيلاً كاملاً.
أمّا بحسب الطريقة الأخرى، وهي الطريقة التي قسم بها علماء المقاصد المقاصد إلى أنواع ومستويات، فإنّ التصنيف يحدّد الفئات بناء على مفاهيم عقليّة، بدلاً من طريقة التقسيم بحسب التشابه والفروق بين سمات أو علل أو «أوصاف ظاهرة منضبطة» – على حد تعبير الأصوليين. والمفهوم العقليّ هنا –كالعصمة أو الحفظ أو الكلّية- هو مبدأ أو نظريّة غير ظاهرة للعيان، تنطبع في إدراك القائم بالتصنيف، بما يشمل الرّبط المركّب بين الروابط السببيّة والمفسّرة التي تشكّل إطاراً بنيويّاً. فليس المفهوم كالسمة البسيطة التي تتصف بأنّها إما أن تنطبق وإما أن لا تنطبق على الشيء المصنَّف، وإنما هو مجموعة من المعايير متعدّدة الأبعاد، يمكن أن تكون أساساً لتوزيع الأشياء، وفي وقت واحد، إلى فئات متعدّدة.
وينتج المفهوم فئات ليست بالضرورة قاطعة وواضحة الحدود، وإنما هي فئات يطلق عليها «تقريبيّة»، أو «غامضة»، أو «ظنية»، أي أنّ الخط الفاصل بين الفئات ليس عدداً واضحاً أو خطاً محدداً، وإنّما هو إحساس يمكن أن يتفاوت في حدود «معقولة» من شخص إلى آخر. وهذا ينطبق على الفئات التي نتجت من تقسيم المقاصد إلى «ضرورات» و «حاجيات» و «تحسينيات»، فما يشتكي منه بعض الباحثين من «سيولة» و«ظنية» في هذا تقسيمات المقاصد هي من طبيعة التفكير الإنساني ومقصودة فيه، ولا سبيل لتلافيها في أي تصنيف يمكن أن يقوم على المفاهيم لا على السمات والعلل والعلامات الجامدة.
وعندما عرّف أئمة المقاصد نظريات وأنواع ومستويات للمقاصد، منذ الترمذي الحكيم (ت 296 هـ)، والقفال الكبير (ت 365 هـ)، والعامري الفيلسوف (ت 381 هـ)، مرورًا بالجويني (ت 478 هـ)، والغزالي (ت 505 هـ)، والشاطبي (ت 790 هـ) وانتهاء بابن عاشور (ت 1379 هـ / 1973م)، والفاسي (ت 1380هـ/1974م) ، كانت نظرياتهم لنصوص الشريعة هي مفاهيم تصوروها لتمثل من غاياتها والمعاني التي شرعت من أجلها.
وقبل الشروع فيما يلي من محاولة لتحليل هذه التصنيفات المفاهيمية حسب مفهوم رؤية العالم، وجب القول أن هدف هذا التحليل هو فهم آليات التجديد والإبداع في هذا العلم – علم المقاصد الشرعية – والاستفادة منها في البحث المعاصر، وليس الهدف من هذا التحليل الدعوة إلى نبذ أو تجاوز نظريات المقاصد التقليدية بدعوى عدم مناسبتها للعصر، كما قد يتسنى لبعض «التفكيكيين» المعاصرين ممن يتبنون فلسفات مع بعد الحداثة، مما سيأتي ذكره. فقناعتي أن المقاصد والمقاصدين أمل كبير من آمال هذه الأمة في تجديد أصيل ومبدع ليس في علومها الشرعية فقط وإنما في علومها الاجتماعية والانسانية على حد سواء. ولكن هذا التجديد لابد له – فيما يبدو لي – من فهم لقابليات التجديد في نظريات المقاصد نفسها حتى تفعّل هذه القابليات التفعيل الصحيح دون إفراط تضيع معه الثوابت الإسلامية أو جمود تتحول فيه المعاني الاجتهادية إلى ثوابت مقدسة.
وقد يُسأل: كيف يكون المعنى الواحد نتيجة لرؤية العالم عند المجتهد وتصنيفه للمفاهيم، وفي نفس الوقت مقصودًا للشارع تعالى؟ والجواب هو أنه لا تناقض بين هذا وذاك. فالمقصد من النصوص الشرعية إما أن ينص الشارع عليه صراحة كالعدل مثلاً، وإما أن يُستقرأ كحفظ النسل.
فأما المعنى المنصوص عليه صراحة فليس لرؤية العالم دخل في تصور مصطلحه المجرد، ولكن في تصور معناه وتطبيقه في الواقع الاجتماعي، وهو يختلف من واقع إلى آخر. فقد تختلف الإجراءات المطلوبة لتحقيق مقصد العدل مثلاً من مجتمع لمجتمع، وهذا قريب من ما يسمى عند الفقهاء بمراعاة العرف في تحقيق المناط.
وأما المعنى الذي يُستقرأ فلا يتناقض استقراؤه مع كونه مقصودًا للشارع تعالى حسب غلبة الظن عند المجتهد، فإنما الأعمال بالنيات، ولا يكلف الله تعالى العباد إلا بما تصل إليه عقولهم بعد بذل الوسع ويغلب على ظنهم الصواب، والله أعلم بمراده وبحقائق الأشياء في جميع الأحوال. من ذا الذي يدعى أنه أصاب -باستقراء أو استنباط- قصد الله تعالى بيقين؟
فإذا غلب على ظن المجتهد أن معنى معينًا مقصودًا للشارع وجب عليه مراعاته ولزمه ذلك، وما كان مصلحة في زمن قد لا يكون كذلك في زمن آخر. وهذا معروف عند السلف والخلف. يقول ابن برهان مثلًا: «ليس كلّ ما كان مصلحة في زمان يكون مصلحة في زمان آخر، ويجوز أن يكون الفعل مصلحة في زمان ومفسدة في غيره، وليست الأزمنة متساوية». ومن العلماء المعاصرين، كتب الدكتور محمد سليم العوا مثلًا عن دور المقاصد في التشريعات المعاصرة يقول: «الفقهاء اجتهدوا في كثير من هذه المسائل اجتهادات وصَّفَت ما كان يجرى عليه العمل في عصور الاجتهاد، أو صنعت قواعد تعبر عن مفاهيم للقيم الإسلامية في مختلف المجالات وتحقق ما رأوه مقصدًا للشريعة في كل باب من تلك الأبواب. لكن تلك الاجتهادات ليست بالضرورة صالحة لكل زمان ومكان فتلك منزلة لا يبلغها إلّا القرآن والسنة الصحيحة. أما ما دونهما فهو بين أجيال الأمة وعصورها على الشيوع يجب أن يجتهد كل جيل فيه».

عن dr. jasir audha

شاهد أيضاً

3copy

الفلسفة الذوقية في الفنون التمثيلية لمسلمي مهابلا بكيرالا

  ولد الناس في العالم على فطرة سليمة ونفس صافية وروح نقية، وهي تؤثر في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة التضامن PDF