الرئيسية / تحليل / الحاجة إلى التبادلات الأدبية الثنائية المباشرة بين العربية ومليالم: المشاكل والحلول

الحاجة إلى التبادلات الأدبية الثنائية المباشرة بين العربية ومليالم: المشاكل والحلول

وقد لعبت الترجمة دورا بناء في تاريخ الأمم السالفة بما فيهم العرب بعد أن أشرق فيهم نور الإسلام فتحرروا وحرروا الناس من الجهالة. واشتد فيهم الشوق نحو المعرفة بلا حدود ولا قيود ما حضهم على استيعاب آداب العجم قاطبة فنا وطبا وفلسفة ومنطقا ولغة وعلوما. والعرب أول من عُرفوا في التاريخ كأمة أقبلت على إيجاد تسهيلات خاصة للانشغال للترجمة والنقل فقط تحت راية الحكومة العباسية المتجسدة في صورة بيت الحكمة الذي أنشأه الخليفة العباسي المنصور. وهذه الخطوة هي التي مهدت الطريق إلى اختلاق منبر عام لجمع العلوم والآداب كلها واستيعابها من اللغات القوية النشطة في ذلك الزمان إلى العربية ومن ثم إلى اللغات الأوربية الغربية، والذي أدى في النهاية إلى النهضة الأوربية الكبرى واليقظة العقلية الحاصلة في القرون الوسطى. وكانت الأندلس وصقلية منطقتي الترجمة من العربية إلى اللغات الأوربية في الغرب.
كانت العربية اللغة الوسطية التي كانت الترجمة جارية عن طريقها خلال القرون الوسطى وذلك عندما كانت العربية هي اللغة الأولى المفضلة ولغة الحضارة القوية لا تنافسها في هذا الأمر لغة أخرى. ثم وفي مرور الأيام تراجعت العربية تدريجيا عن كونها اللغة الوسطية لأسباب سياسية واجتماعية ما أدى في النهاية إلى أن أصبحت لغة كبرى في التعداد فحسب، لا دور لها في عالم الترجمة بمعنى اللغة الوسطية.
وطالما كنا نناقش اليوم عن التبادلات الأدبية التي كانت نشطة في القرون الوسطى بين اللغات الهندية وفي مقدمتها اللغة السنسكريتية والعربية وما زلنا إلى اليوم تنفاخر بهذه الحركات الترجمية الهندية العربية، إلا أنها لقد انقطعت تماما وأصبح كل من الجزء العربي والهندي منقطعين تماما في نقل آدابهما فيما بينهما في الأيام الحديثة مباشرة، هذا وإن جرت بعض الحركات الترجمية بين كل من الأمتين العربية والهندية فضئيلة جدا لا تجدر بالإشارة إليها بقدر ما لنا الآن من التسهيلات في هذا المجال. ومعظم ما يجري من الترجمة العربية إلى اللغات الهندية وعكسه جارية بواسطة اللغة الإنجليزية، الأمر الذي يعد تراجعا ملموسا للعربية في الأوساط الهندية إذا ما قورنت بحالتها قبل عدة قرون. وإن ظاهرة انغلاق الشعبين الهندي والعربي أدبيا ترجع إلى أسباب سياسية واجتماعية والتي نوجزها فيما يلي:
الأسباب السياسية لتراجع استمرارية اللغة العربية كلغة وسطية في الترجمة والنقل:
• تخلف المجتمعين العربي والهندي حضاريا وسياسيا.
• اضمحلال الحكم العربي المركزي تحت حكومة قوية
في الوطن العربي.
• تشتت الدولة الإسلامية في الوطن العربي والقارة
الهندية.
• ولادة الدويلات الصغرى محل الدولة القوية المتحدة.
• تقوية القوى الخارجية وخصوصا في أوربا وتقدمهم
نحو الأمام.
• الاحتلال الأجنبي للبلدان العربية والإسلامية.
• سقوط الحكم الإسلامي في الهند.
• الحكم البريطاني بإلغاء نظام الخلافة، والذي وقع
في الربع الأول من القرن المنصرم.
وكل هذه الأمور تعد أسبابا رئيسيا لتخلف الأمة العربية والهندية سياسيا مدى انعكست سلبيا على التبادلات الأدبية بين اللغة العربية واللغات الهندية، ما أدى العربية في النهاية إلى التخلي عن أن توصف بأن تكون لغة وسطية في حقل النقل والترجمة. وأما الأمور الاجتماعية التي ضعفت بالترجمة المباشرة بين العربية واللغات الهندية فنوجزها فيما يلي:
الأسباب الاجتماعية التي ضعفت بالترجمة المباشرة بين العربية واللغات الهندية:
الانقلابات التي حدثت في الكيان الاجتماعي وذلك إما بتخلف الشعبين العربي والهندي سياسيا كما ذكر أو بتقدم بعض الدول العربية اقتصاديا بفضل ما من الله عليهم من التوفيق لاكتشاف المعادن الغالية وفي طليعتها البترول، ما أدى إلى انغلاق العرب على أنفسهم دون شعورهم بأنهم يحتاجون إلى الهنديين إلا لاستخدامهم في شغولهم.
قديما كان العرب رحالين مشهورين برا وبحرا، وفعلا حكموا الأبحر السبعة بملاحتهم، وأما اليوم فلم يعودوا كذلك. كان العرب تجارا معروفين، ولم تخل بقعة من بقاع العرب إلا وللعرب بها صلة تجارية. فأما الآن فقد انقلبت الأحوال فهم ليسوا اليوم كما هم كانوا عليها من قبل.
التفاعلات العربية والمليبارية في العصر الحديث:
إنه بفضل ما تم للعرب الخليجيين من تفوق اقتصادي عالي خلال العقود الأربعة الماضية فقد دخلت الصلات المليبارية العربية إلى مرحلة جديدة لم تكن قبل. وقد صارت الدول العربية الخليجية مأمنا لألوف مؤلفة من المليباريين، وتعززت العلاقات الكيرالاوية والعربية جيدا جدا، إلا أن هذه الإنجازات الإيجابية لم تأت بنتائج مثمرة في حقل الآداب والترجمة بين لغتي كل من الجانبين، ويرجع سببه أولا وقبل كل شيء أن العرب مع ما يتمتعون به من حالة مالية طيبة ليسوا أمة في مقدمة الأمم المترقية وبالتالي ليست لغتهم العربية – مع ما لها من مكانة عالية بين اللغات العالمية حتى الآن – متوجهة نحو اللغات الأقل شأنا منها، وبالعكس إنها تعرض نفسها دوما إلى لغات القوم الأقوياء منهم، وهذا الذي يبرر اعتمادهم على كل من اللغتين الإنجليزية في البلدان العربية الخليجية والفرنسية في بلاد الشام والمغرب العربي. وإننا إذ نؤكد بصراحة أن العلاقات الثنائية العربية والهندية وبالأخص الكيرالاوية في قمتها العالية الآن في جميع النواحي لسنا مرتاحين في الحالة المتأخرة في مجال التبادلات الترجمية بين العربية والمليبارية. وكذلك والجدير بالذكر في هذا الخصوص أن الغالبية ممن يتكلمون عن العرب والعربية من المليباريين يركزن على البلدان الخليجية فقط أو مصر وبعض البقاع الأخرى، وصحيح أن المعظم من المليباريين لا يعرفون شيئا يذكر عن الوطن العربي الشاسع وآدابها الواسعة المتمثلة في بلاد الشام والمغرب العربي، إضافة إلى العرب المستغربين في المهجر الأوربي والأمريكي. وكذلك العرب فإن غالبيتهم لم يسمعوا عن المليالمية وآدابها قط.
الأوضاع الحالية في الترجمة من العربية إلى مليالم وبعض مشاكلها
• لم يحقق بعد أن العربية تترجم إلى مليالم مباشرة
إلا بواسطة الإنجليزية، والذي يعد أمرا عارا علينا بما
للعربية الأسبقية تاريخيا وحضاريا ولغويا بأهالي مليبار.
• معظم الأعمال المترجمة إلى مليالم من العربية كانت
فيما يتعلق بالديانة الإسلامية مثل تراجم معاني القرآن
الكريم وإيضاحات الأحاديث النبوية الشريفة والكتب
الإسلامية وآدابه.
• أكثر الأعمال غير الدينية المترجمة من العربية إلى
مليالم كانت ومازالت عن طريق اللغة الإنجليزية. ومعظم
المترجمين لا يعرفون حتى الأبجدية العربية، الأمر الذي
يعكس سلبيا في أداء المعنى الأصلي حيث يتسبب في النقصان
والضيعان والفقدان لمفاهيم النصوص الأصلية.
• النظرة الكيرالاوية السلبية نحو العربية: يعتبر
الكثيرون اللغة العربية لغة قوم ودين، ولغة قديمة لا شأن لها
بالآخرين ولا دخل لها في الأمور اليومية، لذا إن
الغالية العظمى من الناطقين بالمليالمية من الهنادقة
والمسيحيين لا يقبلون على التعرف بها وبالتالي تظل الترجمة
بين الأمتين العربية والمليبارية منحصرة تماما في الأوساط
المسلمة فقط.
الأوضاع الموجودة بالنسبة إلى مليالم في الترجمة وبعض مشاكلها:
• المليالمية لم تكتسب بعد استقلالا حتى في عقر
دارها. الإنجليزية هي الدارجة في الدوائر الحكومية
والأوساط الشعبية والقومية. ويعتبر الاهتمام بالمليالمية أمرا
غير مرغوب فيه حتى من قبل الناطقين بها.
• إن اللغات تنشط وتتعزز فقط إذا اتخذها القوم
الأصليون وسيلة فعالة قوية صالحة لجميع أدوار الحياة.
وهذا أمر لم يحقق بعد في مليالم.
• لا تدرس اللغة المليالمية في أي من الجامعات أو
المعاهد الحكومية أو حتى في المراكز الشعبية في البلدان
العربية مع أنها تتراوح مرتبتها بين ال25 – 35 من أكثر
اللغات المتحدثين بها في العالم، ومع كونها إحدى اللغات
الأكثر تأثرا بالعربية، وإحدى اللغات التي استخدمت
الحروف العربية لكتابتها إلى جانب طريقة كتابتها الخاصة
بها، منذ أمد بعيد.
• عدم اهتمام العرب باللغة المليالمية وبالتالي بالأدب
المليالمي قدر الاهتمام. إن كل ما يحصل عليه العرب من
الآداب المليالمية يصل إليهم إما عن طريق ترجمة يقوم بها
مليباريون متقنون في اللغتين المليبارية والعربية أو عن طريق
ترجمتها بواسطة الإنجليزية.
بعض الخطوات المرشحة لتنشيط الترجمة الثنائية بدون الوسائط بين العربية والمليالمية:
• إقامة دار للترجمة والتعريب تحت عناية الحكومة في
كيرالا، يعمل لديها المترجمون ذوو المهارات العالية مع وضع
الأولويات في اختيار الأعمال للنقل.
• المبادرة من قبل الحكومات العربية لتدريس اللغة
والآداب المليبارية في جامعاتها.
• عقد معرض خاص للكتب المترجمة من العربية إلى
المليبارية وعكسها فصليا أو سنويا، يعقد في مواطن شتى من
العالم العربي ومناطق كيرالا.
• عقد ورشات للترجمة الأدبية تحت عناية الجامعات
في كيرالا والبلدان العربية.
• تشجيع دور النشر في ديار مليبار على اتخاذ سياسة
الترجمة بدون الوسائط وتنفيذها أولا في ترجمة النصوص
العربية.
• تضمين المناهج الدراسية العربية في جامعات كيرالا
بالأجزاء للترجمة الأدبية أيضا (وكل ما يجري الآن في هذا
الخصوص هو الترجمة الحرفية وهي التي يمرّن عليها
الطلاب، والتي لا دخل فيها للمليالمية، وتجري كاملا بين كل
من العربية والإنجليزية).
• إدراج دورات جديدة للترجمة فقط تحت الجامعات
في كيرالا وخصوصا في جامعة اللغة المليالمية بترور.
• اتخاذ الخطوات لعرض اللوائح الإرشادية والمعلومات
الأساسية في المرافق العامة وخصوصا في المدن الكبرى مثل
المطارات إلخ، حتى يتسنى للعرب من الاقتراب من
ثقافتنا كثيرا، ويمهد بالتالي إلى معرفة آدابنا أيضا. وفي
هذا المجال لقد سبق بعض الدول العربية مثل الإمارات
العربية المتحدة حيث إنها بادرت إلى إعداد اللوائح الإرشادية
وتقديم الخدمات العامة في مليالم في بلدة أجنبية لغتها
عربية والناطقون بالمليبارية هناك يعتبرون العمال والخدمة
فقط.
• إرسال بعثة من المثقفين والوزراء لتفعيل النشاطات
لإدراج دورة مليبارية في إحدى الجامعات العربية نموذجيا
ويختار لهذا الغرض إحدى الجامعات في الإمارات العربية
المتحدة.
• دور وسائل الإعلام المليالمية: بإمكان الجرائد في
اللغة المليبارية والتي تطبع في المهجر العربي أن تلعب دورا
هاما في تنشيط حركة الترجمة الأدبية والثقافية وذلك
يقيامها بالترجمة للمنتخبات الأدبية من اللغتين وتوفيرها
للأمتين العربية والمليبارية، أيضا في إمكانهم إصدار
طبعات خاصة أسبوعيا أو شهريا تحتوي على ترجمة
القطعات المختارة الواردة في مليالم، كما تستطيع لها
نشر وطباعة أهم المقالات والدراسات المنشورة في جرائدهم
مترجمة إلى العربة. وبهذا تساهم في تعزيز الحركة
الترجمية والتبادلات الأدبية بين الأمتين.
• وللقنوات الفضائية المليبارية أيضا دور هام في
التبادلات الأدبية. إنه بإمكان القنوات الناطقة بالمليالمية
استهداف العرب بإدراج البرامج العربية ضمن قائمة
برامجها المتلفزة حيث ترغّب العرب في الاطلاع على آدابنا
بجدية، وبالتالي تتفاعل التبادلات الأدبية بصورة أكثر
حيوية.

عن hussain palekodan

شاهد أيضاً

1

دور المسلسلات التاريخية في انتشار اللغة الفصحى

قد كثرت المغالطات عن الأفلام العربية بين المثقفين الهنود بين إفراط وتفريط فمنهم من اعتقد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة التضامن PDF