الرئيسية / ركن التربية / الطاغية المستبد والعالم الجليل

الطاغية المستبد والعالم الجليل

دخل جند الحجاج لينبئوا بشرى إلقاء القبض على سعيد بن جبير، فبادر الحجاج بقوله:«أتيتموني بسعيد بن جبير؟!» قالوا: نعم، قال: «أدخلوه عليّ !». فدخل سعيد بن جبير، ودار بينهما هذا الحديث.
الحجاج: ماسمك؟
قال: سعيد بن جبير
الحجاج: أنت الشقي بن كسير
قال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك
الحجاج: شقيت أنت. وشقيت أمك
قال: الغيب يعلمه غيرك
الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى
قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً
الحجاج: ما قولك في محمد؟
قال: تعني النبي صلى الله عليه وسلم
الحجاج: نعم
قال: سيد ولد آدم، النبي المصطفى، خير من بقي، وخير من مضى
الحجاج: فما قولك في أبي بكر؟
قال: الصديق، مضى حميدا وعاش سعيدا، مضى على منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يبدل ولم يغير
الحجاج: فما تقول في عمر؟
قال: عمر الفاروق، خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميدا على منهاج صاحبيه، لم يغير ولم يبدل
الحجاج: فما تقول في عثمان؟
قال: المجهز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر النبي صلى الله عليه وسلم على ابنتيه
الحجاج: فما تقول في علي؟
قال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من أسلم، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين
الحجاج: فما تقول في معاوية؟
قال سعيد: شغلتني نفسي عن تصريف أمور هذه الأمة وتمييز أعمالها
فسأل الحجاج: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك
الحجاج: بتّ بعلمك. قال سعيد: إذًا يسوءك ولا يسرك
الحجاج: بتّ بعلمك. قال: اعفني.
قال الحجاج: لا عفا الله عني إن اعفيتك.
فقال سعيد: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى، ترى من نفسك أمورا تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلكة، وسترد غدا فتعلم.
الحجاج: ويلك يا سعيد! قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار !
الحجاج: يا سعيد! ما لك لا تضحك؟. قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النار.
الحجاج: فما بالنا نضحك؟ قال: لما قست القلوب
الحجاج: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا قبلك، ولا أقتلها أحدا بعدك.
قال سعيد: إذاً تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك.
الحجاج: اختر أي قتلة تريد أن أقتلك..!
قال سعيد: اختر لنفسك يا حجاج. فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.
الحجاج: أفتريد أن أعفوك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.
فأمر الحجاج لجنده: اذهبوا به فاقتلوه.
فلما خرج سعيد ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فأمر برده. وقال: ما أضحكك؟ فأجابه سعيد قائلا: «عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك». فأمر الحجاج بالنطع والسيف. فبسط. ثم قال: اقتلوه موجها إلى القبلة! فقال سعيد:«إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين….»
فقال الحجاج: شدوا به لغير القبلة. فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله…. فغضب الحجاج وقال: كبّوه على وجهه في الأرض. فقال سعيد:«منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى».
فصاح الحجاج: اذبحوه !. فكان آخر ما قاله سعيد:«أما إني أشهد وأحاجّ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة. ثم دعا سعيد:«اللهم لا تسلطه على أحد بقتله بعدي».
وذبح الرجل الصالح على النطع، ولم يعش الحجاج بعده إلا ليالي معدودات، ولم يقتل فيها أحدا بعد سعيد. وقد قضى الحجاج هذه الليالي مذعورا. تلاحقه رؤى الجريمة النكراء وأشباحها. وما أكثر ما سمعه القريبون منه. يهب من نومه مذعورا وهو يصرخ :«ما لي ولسعيد بن جبير ! ما لي ولسعيد بن جبير…!»

عن abdul rasheed madeeni

شاهد أيضاً

4

خيركم خيركم لأهله

حكى أن بعض الصالحين كان له أخ في الله وكان من الصالحين يزوره في كل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة التضامن PDF