الرئيسية / مقالة / “جمال” الباطن و”جمال” الظاهر !

“جمال” الباطن و”جمال” الظاهر !

مقالة نشرت فيالخليج اليوم – قضايا إسلامية – الأحد 12-يناير-1986 م

إن جمال الباطن لا يقل شأنا عن جمال الظاهر ، وأن ثمرة الإيمان الراسخ في القلب لا بد وأن تظهر في الجوارح . ويقول المثل الحكيم : “إناء العسل ينضح عسلا” لأن جمال الباطن يحدث أثرا في النفس أكثر من جمال الظاهر ، فكل إناء “ينضح بما فيه” . إن في طبيعة البشر محبة ومودة لأصحاب القلوب الكبيرة الصافية من شوائب الرياء والمداهنة الفارغة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأفاضل وذوي جمال الظاهر بشرف السيرة وكرم الأخلاق ، ومن ثم وصف الله سبحانه وتعالى الرسول عليه السلام وصحبه الكرام بقوله : “سيماهم في وجوههم من أثر السجود” (الفتح :29) .
نور القلب يظهر على وجه صاحبه !
إن الإيمان الصحيح لا بد وأن يكون له أثر محسوس في جوارح صاحبه ومظاهر أعماله ، وأن صاحب الخلق الكريم هو الذي يجذب الناس إليه وإلى دعوته وهو الذي يأسر قلوبهم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن قدوة وأتقى عباد الله على الإطلاق وهو الذي يهدي الناس بسيرته وسريرته ولاكتمال جمال الباطن وجمال الظاهر في شخصيته العظيمة جعله خالق البشر ورب العالمين قدوة لناس للتأسي والاقتداء به ، في جميع مرافق حياتهم وقال بعموم اللفظ والمعنى : } لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(٢١){ (الأحزاب ) .
والمسلم الحق هو الذي يهدي الناس بسمته . ويأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة لأن نور الإيمان الذي في قلبه ينير طريق النجاة أمام المتأثرين به والمستمعين إليه و المجالسين معه . ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى وفحوى الحديث الذي ورد في شأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وجاء فيه أن أعرابيا رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال : “أنت الذي يقولون عنك إنك كذاب ؟ والله وإن وجهك ليس بوجه كذاب ” . وأن نور القلب في الداخل يظهر على وجه صاحبه . وقد رأى ذلك الأعرابي في وجه الرسول عليه الصلاة والسلام سمة الصدق والإخلاص وشرف الأخلاق وحسن القدوة كأنه مثل حسي يتحرك للمبادئ التي يعشقها ويدعو الناس إليها ، وقد دلت وسامة الملامح على جمال باطنه وخلقه الكريم .
ثمرة الإيمان تظهر في الأعمال
لقد أشار القرآن الكريم إلى أن هناك ناسا يمارسون أعمال الإسلام ولا تعطي النتائج المنشودة ولا يتأثرون بروحها فقال تعالى : } أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(٣) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ(٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(٧){. (سورة الماعون)
وجاء الوعيد بالويل والخسارة للمصلين فعلا ولا لتاركي الصلاة ولكن للذين يمارسون أعمال الصلاة ولا يتأثرون بروحها وإن التدين الحق صورة لجوهر النفس بعد أن اصطبغت بالنية الخالصة لله تعالى وبالفضائل التي شرعها وفق منهجه ، والتزمت بالاستقامت التي يدعو لها في الصلوات الخمس ، وأن هذا التدين وحده هو الذي تنبعث منه أشعة الفضائل من الأخلاق والمعاملات فلا رياء ولا رذائل ولا ضرر ، كما لا تصدر من صاحبه الفاحشة والمنكرات ، وإلى هذه الثمرة الطيبة الناتجة من الصلاة الصحيحية ظاهرا وباطنا يشير القرآن الكريم : } إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر{ . وأيضا يقول : }قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(٥){ (سورة المؤمنون)
وهذا هو الصنف المقابل المشار إليه في الآيات المذكورة في سورة الماعون أي الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ، وللصنف الأول الفلاح والنجاة وللثاني الويل والثبور والخسران .
النفس مثل الآلة الدائرة
كما أن الآلة الدائرة تتحرك بما يغمر خزانها من الوقود والبنزين تتحقق النفس الإنسانية من الروح الكامنة فيها . ومن هنا يظهر دور الإيمان في تحريك نفس الإنسان ، فإذا كان الإيمان صحيحا وراسخا فتنبعث منها الأفعال والأقوال والمعاملات الصحيحة فيكون بها قدوة حسنة للآخرين ، ولا يتحقق هذا الهدف النبيل بأداء الرسوم وتمثيل الأفعال والأقوال بالتكلف والمصانعة . ومن الحقائق العلمية الثابتة أن معدن النفس الحقيقية يبدو عاريا بطول المعاملة وبمرور الزمن وتمحيص الأحداث ، وأن التظاهر بالأعمال الصالحات هو أخطر شيئ نهى عنه الإسلام ولا بد أن ينكشف المخبوء على امتداد الزمن فيمس قضايا الإيمان ويكون صاحبه أكثر ضررا على الإسلام من أعدائه ، إن الناس حينما يرون هذه المخالفات والتناقض بين أقوال وأفعال المنتمين إلى الإسلام يظنون في أنفسهم لو كان الإسلام حقا ويحدث فعلا ثمرة الإيمان على حياة الإنسان ، لما رأينا مثل هذا التناقض الشنيع بين دعوى المسلمين وسلوكهم وأفعالهم ، ضاربين لهم المثل الطبيعي في أن الباطن لا يختلف عن الظاهر لأن كل إناء ينضح بما فيه !
وقد نجح المسلمون الأوائل في جعل الناس يعجبون بالإسلام ويقبلون عليه في كل مكان يحتلون فيه ، ولأنهم كانوا فاتحي القلوب قبل أن يكونوا فاتحي البلاد ، وأصلحوا باطنهم أكثر من إصلاحهم لظاهرهم . وأذاعوا بلسان حالهم :
ليس الجمال جمال المال والنسب
بل الجمال جمال العلم والأدب ..

عن dr. muhiaddin alway

شاهد أيضاً

4copy

(3)الأبعاد الجديدة للعلاقات الهندية العربية

ما على الحكومات العربية تخطيطه : تقرير شهادات ومؤهلات عربية للمهاجرين إلى البلدان العربية : …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة التضامن PDF