الرئيسية / موضوع الغلاف / حظر الخمر في كيرالا …. القانون وحده لا يكفي

حظر الخمر في كيرالا …. القانون وحده لا يكفي

أعلنت السلطات في ولاية كيرالا جنوبي الهند، عن خطط لحظر بيع المشروبات الكحوليّة واستهلاكها، وذلك لمكافحة مشكلة الإدمان التي تعاني منها الولاية. إن الهدف هو منع تعاطي المشروبات الكحولية بشكل تامّ في غضون عشر سنوات.
يذكر أنّ كيرالا تستهلك أكبر كمية من الكحول بالنّسبة إلى عدد السكان في الهند قاطبة، إذ يبلغ الاستهلاك فيها أكثر من 8 ليترات لكلّ فرد في السنة. وتقول الحكومة إن ذلك يؤدي الى تداعيات اجتماعية سلبية ووقوع جرائم وحوادث.
وقد حذّر الأطباء والناشطون من مضارّ الاستهلاك الزائد للمشروبات الكحوليّة، بما فيها ارتفاع معدّلات الطلاق، وزيادة حالات الوفيات في حوادث السير. ويقول هؤلاء إنّ مستشفيات الولاية ومراكز معالجة الإدمان فيها مكتظّة بالمرضى المصابين بأمراض تتعلق باستهلاك الكحول.
إنّ حكومة الولاية التي يهيمن عليها حزب المؤتمر تهدف إلى أن تصبح«ولاية خالية من الكحوليات» خلال عشر سنوات، وتنوي منع بيع المشروبات الكحولية وتعاطيها بشكل كامل، ولكن بطريقة متدرّجة في غضون عشر سنوات. نافية أن تؤثر هذه الخطوة سلبا على السياحة أو اقتصاد الولاية. ولكل من جاو وكيرالا سواحل غربية تجذب أعدادا كبيرة من السائحين الهنود والأجانب.
وذلك باعتماد سلسلة من الإجراءات منها إغلاق 730 حانة ومحلاً لبيع المشروبات، وشمول يوم الأحد من كلّ أسبوع بحظر بيع المشروبات الكحوليّة، والسماح ببيع المشروبات في الفنادق الراقية فقط اعتباراً من العام المقبل وإغلاق 10 في المئة من متاجر الخمور المملوكة للدّولة، والّتي يبلغ عددها 338 متجراً سنويّاً.
لا يخفى ما لمشكلة الإدمان على الكحول من مضارّ وانعكاسات خطيرة على الحياة العامّة، فإضافةً إلى أخطارها الصحية المميتة، فهي أيضاً تنعكس بخطورتها على طبيعة الحياة النفسية والاجتماعية والإنسانية، حيث تولّد الكثير من المشاكل والتعقيدات على صعيد تماسك الأسرة واستمراريّة الحياة الأسرية والعائلية، وتعريض الأسرة والزوجة والأولاد لمخاطر كثيرة.. كما أنّ مشكلة الإدمان من المشاكل الّتي لا بدّ للمعنيّين من الجهات الرسميّة والمدنيّة من مواجهتها بالآليّات الفاعلة التي تضمن تحقيق نتائج عمليّة تحمي أسس المجتمع وبنيانه من السقوط.
ولا بدّ أيضاً لهذه القضيّة الهامة، من أن تنال قسطها من الاهتمام، وتسليط الضّوء على مضارّها النفسية والصحية والاجتماعية والإنسانية من قبل وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والاجتماعية كافّةً، لأنّ ذلك من مسؤوليّة الجميع في حفظ النّفس والمصلحة العامّة والحياة.
إن المخدرات والمسكرات هي باب خطير ، بل هي مفتاح الخطايا وأم الخبائث ، فهي تهدد العفاف وتهد القوى ، وتبث في المجتمع الوهن والضعف. وهما يقترنان دائما بالتطلع إلى المزيد من الشهوات والتهالك عليها بأي طريق ، على نحو ينهك الجسد ، ويرهق الأعصاب ، ويثير الفوضى في حياة الإنسان .
ولذلك حرمها الإسلام ، لما فيهما من غيبة للعقل ويقظة للهوى، فيفلت الزمام من يد الفكر ويصبح طيّعا في يد الشيطان ..
وقد فطنت الأمم إلى آفات المخدرات وغوائلها المرهقة المبيدة للحياة ، المبددة للطاقة والنشاط ، فحرمت أكثر المجتمعات تداولها وتناولها ، وحظرت تجارتها بقوانين حازمة ، تحمل أقسى العقوبات .
وهذا اتجاه حسن ، يحمى البشرية من الهلاك ويقيها الفوضى التي تقود إليها المخدرات . وفي المجتمع تكافح المخدرات كفاحا عنيفا بوسائل شتى . ولكنها مع ذلك متداولة منتشرة .. !
فإن القانون وحده لا يكفي ، بل لا بد من استشارة عزائم المؤمنين لحماية مجتمعهم مما يتهدده من وباء وليس هناك حافز أقوى من ذلك.
فلماذا تقف منها المجتمعات الحديثة هذا الموقف المائع الذي يرى الخطر فلا يتداركه ، والوباء فلا يقضى عليه قبل أن ينتشر ويفتك !
إن كل الأديان السماوية قد حرمت الخمر دون اعتبار لما يلغو به بعض المجادلين بالباطل من موقف المسيحية من الخمر فذلك افتراء على دين الله ، وتملق للشهوات والأهواء. ( ويقولون هو من عند الله ، وما هو من عند الله ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )
أما الإسلام فقد شدد النكير على الخمر وحاربها بشتى الوسائل ، فهو ينفر منها ويحذر من غوائلها المتلفة للحياة والعفاف .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه »
وقد سدّ النبي صلى الله عليه وسلم باب الاحتيال على شرب الخمر تحت أي اسم من الأسماء ، فجعل التحريم منوطا بوجود الإسكار أيا كان المسكر وأيا كان نوعه فقال : « كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام »
وقد نبه الرسول صلوات الله عليه إلى أنه سيكون من أمته من يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها ، فقال : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» ( أبو داود والنسائي وصححه )
جعل الإسلام للخمر عقوبة زاجرة ، حتى لا يقترب أحد من هذه الحمأة التي تقتل في الإنسان عقله وخلقه ..
وهي أربعون جلدة ، فقد «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين »
ويجوز للحاكم أن يزيد في هذه العقوبة إلى الثمانين كما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه « فقد جلد النبي في الخمر بالجريد والنعال ، ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى ، قال ما ترون في جلد الخمر ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أرى أن تجعلها كأخف الحدود (وهو حد القذف بالزنا) فجلد عمر ثمانين »
(رواه الأربعة )
أضرار الخمر
لقد أدركت مجتمعات كثيرة لا تدين بديننا أضرار الخمر وحاولت تحريمها أو تضييق نطاقها ، ولو بدافع اقتصادي توفيرا للجهود والطاقات .
إنها من أعظم الأخطار التي تهدد نوع البشر ، لا بما تورثه مباشرة من الأضرار السامة فحسب ، بل بعواقبها الوخيمة أيضا ، إذ إنها تمهد السبيل لخطر لا يقل ضررا عنها ، ألا وهو السل ..
والخمر توهن البدن وتجعله أقل مقاومة وجلدا في كثير من الأمراض مطلقا ، وهي تؤثر في جميع أجهزة البدن ، وخاصة في الكبد ، وهي شديدة الفتك بالمجموعة العصبية .
وما من شك في أن الخمر تضعف الشخصية وتذهب بمقوّماتها ، ولا سيما العقل ، يقول أحد الشعراء :
شربت الخمر حتى ضل عقلي
كذاك الخمر تفعل بالعقول
وإذا ذهب العقل تحول المرء إلى حيوان شرير ، وصدر عنه من الشر والفساد ما لا حد له ، فالقتل ، والعدوان ، والفحش وإفشاء الأسرار ، وخيانة الأوطان من آثاره .
وهذا الشر يصل إلى نفس الإنسان ، وإلى أصدقائه وجيرانه وإلى كل من يسوقه حظه التعس إلى الاقتراب منه .
لذلك لا يستغرب أن تكون من أهم الأسباب الموجبة لكثير من الأمراض العصبية ومن أعظم دواعي الجنون والشقاوة والإجرام ، لا لمستعملها وحده ، بل وفي أعقابه من بعده . فهي إذن علة الشقاء والعوز والبؤس ، وهي جرثومة الإفلاس والمسكنة والذل ، وما نزلت بقوم إلا أودت بهم : مادة ومعنى بدنا وروحا ، جسما وعقلا .
هذه الأضرار الآنفة ثبتت ثبوتا لا مجال فيه لشك أو ارتياب ، مما حمل كثيرا من الدول الواعية على محاربة تعاطي الخمر وغيرها من المسكرات . وكان في مقدمة من حاول منع تعاطيها من الدول : أمريكا . فقد نشر في كتاب تنقيحات للسيد أبي الأعلى المودودي ما يأتي :
وقد حاولت أمريكا في تاريخها المعاصر أن تحمي مجتمعها من شرور هذا الداء . فحرمت الخمر ، وطاردتها في بلادها واستعملت جميع وسائل المدنية الحاضرة كالمجلات والمحاضرات ، والصور ، والسينما لتهجين شربها ، وبيان مضارها ومفاسدها .
ويقدرون ما أنفقت الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على 60 مليون دولار ، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على 10 بلايين صفحة ، وما تحملته في سبيل قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيها ، وقد أعدم فيها 200 نفس ، وسجن 53435 نفس وبلغت الغرامات إلى 16 مليون جنيها ، وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنيها ، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراما بالخمر وعنادا في تعاطيها حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 إلى سحب هذا القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة.
إن أمريكا قد عجزت عجزا تاما عن تحريم الخمر بالرغم من الجهود الضخمة التي بذلتها ، ولكن القانون وحده لا يكفي .. والدافع الخلقي والروحي للشعب كان ضعيفا ، فتخاذلت الدولة أمام إصرار الشعب على هذه المفسدة .
ولكن الإسلام الذي ربى الأمة على أساس من الدين ، وغرس في نفوس أفرادها غراس الإيمان الحق، وأحيا ضميرها بالتعاليم الصالحة والأسوة الحسنة لم يصنع شيئا من ذلك ، ولم يتكلف مثل هذا الجهد ، ولكنها كلمة صدرت من الله استجابت لها النفوس استجابة مطلقة .
عندما نزل قوله تعالى :
« إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين »
أقبل المسلمون الأولون على الخمر يسكبونها ويكسرون آنيتها ، وتحرروا تحررا تاما من سلطانها، ودخلت الخمر دائرة المحرمات التي يمتنع عنها المؤمن بمقتضى عقيدته وإيمانه، ولا يقع فيها إلا إذا غفل عن دينه واستذله شيطانها.
وقديما تحرر المجتمع الإسلامي الأول من الخمر عن طيب خاطر امتثالا لأمر الله وتصديقا بآياته ، بعد أن بين القرآن للمسلمين غوائل الخمر .
والحق أن الذي يستطيع أن يحارب المخدارت ويقضى عليها في يسر هو الشعب المسلم حين يحاط علما بآفاتها وغوائلها ، وما تجره على الأمة من خسار ، ويطلب منه باسم الإيمان أن يبذل جهده في القضاء على هذه السموم المهلكة التي يثرى من روائها شرذمة ضالة ، على حساب أمن المجتمع وسلامه . عندئذ تستطيع الأمة أن تفعل الكثير من أجل تجفيف منابع هذه السموم ووقاية المجتمع من خطرها المدمر .
وإن مسئولية الدولة أن تحارب الخمر وتحمي الشعب من آفاتها ، التي تفسد الخلق وتهدد الحياة ، وتثير في المجتمع الفتنة والاضطراب .

عن muhammed iqbal nadwi

شاهد أيضاً

3copy

الفلسفة الذوقية في الفنون التمثيلية لمسلمي مهابلا بكيرالا

  ولد الناس في العالم على فطرة سليمة ونفس صافية وروح نقية، وهي تؤثر في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة التضامن PDF